محمد بن جرير الطبري

260

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وكتب اليه ملك الروم : ما بين الحق والباطل ؟ فكتب اليه : اربع أصابع الحق ، فيما يرى عيانا ، والباطل كثيرا يستمع به فيما لم يعاين . وكتب اليه ملك الروم يسأله عما بين السماء والأرض وبين المشرق والمغرب ، فكتب اليه : مسيره خمسمائة عام للمسافر ، لو كان طريقا مبسوطا . قال : وبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكه الروم بطيب ومشارب واحفاش من احفاش النساء ، ودسته إلى البريد ، فابلغه لها ، وأخذ منه وجاءت امراه هرقل ، وجمعت نساءها ، وقالت : هذه هديه امراه ملك العرب ، وبنت نبيهم ، وكاتبتها وكافاتها ، وأهدت لها ، وفيما أهدت لها عقد فاخر فلما انتهى به البريد اليه امره بإمساكه ، ودعا : الصلاة جامعه ، فاجتمعوا ، فصلى بهم ركعتين ، وقال : انه لا خير في امر ابرم عن غير شورى من أموري ، قولوا في هديه أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم ، فاهدت لها امراه ملك الروم ، فقال قائلون : هو لها بالذي لها ، وليست امراه الملك بذمه فتصانع به ، ولا تحت يدك فتتقيك . وقال آخرون : قد كنا نهدى الثياب لنستثيب ، ونبعث بها لتباع ، ولنصيب ثمنا فقال : ولكن الرسول رسول المسلمين ، والبريد بريدهم ، والمسلمون عظموها في صدرها فامر بردها إلى بيت المال ، ورد عليها بقدر نفقتها . كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي حارثة ، عن خالد بن معدان ، قال : أول من غزا في البحر معاوية بن أبي سفيان زمان عثمان بن عفان ، وقد كان استأذن عمر فيه فلم يأذن له ، فلما ولى عثمان لم يزل به معاوية ، حتى عزم عثمان على ذلك باخره ، وقال : لا تنتخب الناس ، ولا تقرع بينهم ، خيرهم ، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه ، ففعل واستعمل على البحر عبد الله بن قيس الجاسي حليف بنى فزاره ، فغزا خمسين غزاه من بين شاتيه وصائفه في البحر ، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب ،